في هذا الحرّ الشديد.. ماذا كانوا يفعلون قبل المكيّفات؟

يعتبر شهر آب/أغسطس من أكثر شهور السنة حرارة، على أبناء المنطقة العربية، من شمال وشرق أفريقيا، إلى قلب الجزيرة العربية، ثم المشرق كافة ودول أخرى عديدة. ويقال "آب اللهّاب" لشدة حرارة الجو فيه، وهو الوقت

في هذا الحرّ الشديد.. ماذا كانوا يفعلون قبل المكيّفات؟
يعتبر شهر آب/أغسطس من أكثر شهور السنة حرارة، على أبناء المنطقة العربية، من شمال وشرق أفريقيا، إلى قلب الجزيرة العربية، ثم المشرق كافة ودول أخرى عديدة. ويقال "آب اللهّاب" لشدة حرارة الجو فيه، وهو الوقت الذي يتميّز أيضا بارتفاع كبير بمستويات الرطوبة، مما يزيد الإحساس بارتفاع درجة الحرارة، وهو الأمر الذي يؤدي أحيانا إلى سقوط الأمطار. ولا يزال غمر الرأس أو بقية الجسم في الماء، أسرع وسيلة تبريد، ولا تزال تشاهد في جميع بلدان العالم. كذلك فمختلف أغطية الرأس والوجه، من تقنيات تقليل التعرض مباشرة للشمس. فيما ينعم الناس الآن بالمكيّفات العاملة بالكهرباء، والتي تخفض درجة الحرارة إلى المستوى المفضي إلى أقصى إحساس بالراحة والانتعاش. مراوح الريش أو سعف النخل وطوّر الأقدمون طرق تبريد تقيهم حرّ الجو والإحساس المزعج بالرطوبة المرتفعة، منها لا يزال قائماً إلى الآن، أو ما يعتمد تقنية التبريد ذاتها، وهي إثارة الهواء عبر التحريك، كما يحصل مع المروحة التي تحرّك شفراتها الهواء بعد هزّها باليد، فكانت تصنع من ريش الطيور أو من سعف النخل، كما عند العرب، وسجّل العرب والفراعنة والصينيون، أقدم اختراع للتبريد بالمراوح اليدوية. ويرد في العربية، أن المِروح والمروحة، آلة يُتبَرَّد بها. في المقابل، فإن تحريك الهواء الذي يحصل بعد تحريك المروحة، ثم الإحساس بدرجة من الانتعاش تخفف الإحساس بالحر والرطوبة، يختلف عن ترك الهواء بدون تحريك، إنما بعد الاستظلال بما يمنع التعرض للشمس مباشرة، كما في المظلة، والأخيرة من أقدم أساليب الوقاية من حر الشمس، وتعتبر اختراعاً مشتركاً بين غالبية شعوب المناطق الحارة. وفي العربية، فإن المِظلة والخيمة، من الآلات المنقولة، أي القابلة للتركيب والفك وتغيير مكان الاستعمال. بيوت العرب ستّة وينقل اللغويون، في هذا السياق، أن بيوت العرب ستّة: قبّةٌ من أدَم، ومِظلّة من شَعَر، وخِباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وأُقنة من حجر. والظلَّة والمظلة سواء، في العربية، وهي ما يستظل به من الشمس، فيما يورد "تاج العروس" أن اسم "مظلَّة" من أصل نبطي، وأن المظلة من بيوت الأعراب، في الأصل، ويشار إلى أنها تصنع من ثياب، كما يحدد لغويون، ثم تعرّف المظلة، بأنها ما يستظلّ به الملوك عند ركوبهم. وكان يُتبع نظام تبريد داخلي، من خلال أسلوبية العمارة، ومنه "الساباط" الذي يعرَّف بأنه سقيفة بين دارين أو حائطين، وتسمح تلك المسافة بانتقال الهواء أسرع بسبب فارق درجة الحرارة ما بين السقيفة في الأعلى، وأرضية المكان. كذلك تقوم السراديب بتأمين وقاية أكبر من التعرض للشمس مباشرة، فتكون رطبة وحرارتها أكثر انخفاضاً، وعرفت السراديب في العاصمة العراقية بغداد، ومثلها "القبو" كما يسمى في الشام، ومنها الأقبية التي تؤدي الغرض ذاته. البراجيل أبراج تبريد ومن أنظمة التبريد القديمة، بناء البراجيل، وواحدتها برجيل، غير عربية الأصل، وهي نوع من البناء البرجي المزوّد بفتحات، ينتهي بمكان الجلوس أو النوم، وتسهم فتحات البناء البرجي، بتأمين سرعة تقلّب الهواء، ما بين الحار في الأعلى، والبادر في الأسفل. وقد تكون كلمة البراجيل، من كلمة برج. وتعرف البراجيل في مصر، وفيها مدينة تحمل هذا الاسم. واعتمدت تقنية استقبال وخروج الهواء، في كثير من أنظمة العمارة الكلاسيكية، كوسيلة تبريد طبيعية، يسهم اختيار مكان الفتحات بتأمين قدر أكبر من تدفق الهواء. "برَّادات" قديمة وإذا كان "تبريد" المكان، بتقنيات بدائية، وسيلة مكّنت الأقدمين، من احتمال حرارة الجو، فإن الجسم يحتاج تبريد بعض المواد الداخلية إليه، كالماء، من أجل خفض درجة حرارته. فبمجرد تناول المرء ماء بارداً ينتابه إحساس بالانتعاش في الحر الشديد. يورد اللغويون العرب، أن الشّجاب، هو ما تعلّق عليها الأسقية لتبريد الشراب، ومنها المشجب الذي يستعمل الآن، بصفة عامة، كأداة تعلق عليها الثياب، لكن يبدو أن "الشجاب" كانت من "برّادات" العصور القديمة. ويرد في اللغة العربية أن المزمّلة، يبرَّد فيها الماء، ولا تزال حاملة ذات الاسم، في مناطق الفرات في سوريا، خاصة في محافظة دير الزور. والمزملة، جرّة كبيرة، توضع على أرضية من الخشب، مع إناء فاصل تحت الجرة المذكورة، كي يتم زيادة نسبة عزلها الحراري، فيبرد فيها الماء، إلى درجة تشعر فيها الشارب، بالانتعاش. وتعمل تقنية المزملة، على الارتشاح الذي يحصل من الجرّة العليا الأولى، فتنزل قطرات الماء متناهية الصغر، إلى الجرة الثانية الفاصلة، فيتم الحصول على كمية من الماء النقي منخفض درجة الحرارة بشكل ملموس، هذا إذا تعذّر الحصول على الثلج الذي كان وسيلة تبريد المشروب المعمول بها، من أقدم الأزمنة، وعمل بها العرب خاصة في العراق وسوريا ولبنان، حيث يحضر الثلج من الجبال التي تبقى مثلجة طوال العام، ثم توضع كتله في أقبية مظلمة أو كهوف غائرة تحافظ على أعلى نسبة عزل حراري، ويتم استعماله في حرّ الصيف. أثلجت صدري.. أصلها من لذة الثلج وفي هذا السياق، تورد كتب العربية، اسماً لبائع الثلج، وهو "الثلاَّج" أي بائع الثلج، ومن الأخيرة استعمل اشتقاق "أثلجت" صدري بمعنى أسعدتني، لأن الفعل في الأصل مرتبط بالانتعاش الذي يحدثه تناول الماء المثلّج، حتى أصبحت الكلمة مقابلة لمعاني الثقة والطمأنينة، فيقال "ثلجت" لكذا، بمعنى سكنت ورضيت وسعدت وقبلتُ، ويقال: أعطيك ما تثلج إليه. إلى الدرجة التي أصبح فيها، معنى ثلج، تيقَّنَ. وأثلج صدري هذا الخبر، أي شفاني وسكّنني. ويؤكد علماء العربية، أن الاستعمال المجازي المحرَّك لكملة "ثلج" بمعنى اليقين، مأخوذٌ من التمتّع بالماء البارد الذي سبق وتمت معاملته ومزجه، بالثلج.