رفسنجاني.. شاهُ الثورة الخمينية!

"انظروا إلى علاقتنا بالعرب لا يمكن أن تكون أسوأ من ذلك"، تقول الشخصية الإيرانية البارزة فائزة رفسنجاني، في لقاء لها مع صحيفة "آمان ملي" الإصلاحية، نشرت "العربية.نت" أجزاء مترجمة منه.الإرث الضائعابنة

رفسنجاني.. شاهُ الثورة الخمينية!
"انظروا إلى علاقتنا بالعرب لا يمكن أن تكون أسوأ من ذلك"، تقول الشخصية الإيرانية البارزة فائزة رفسنجاني، في لقاء لها مع صحيفة "آمان ملي" الإصلاحية، نشرت "العربية.نت" أجزاء مترجمة منه. الإرث الضائع ابنة الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، لم تكن تنتقد الحال التي وصلت لها علاقة طهران بالعواصم الخليجية والعربية وحسب، بل، هي تتحسر على جهود والدها التي بددها "المتشددون"، وهي الجهود التي بذلها إبان رئاسته للجمهورية، ولمجلس تشخيص مصلحة النظام، وقادت إلى تحسين علاقة إيران مع عدد من الدول العربية المهمة، وفي مقدمتها المملكة العربية والسعودية، والوشائج الشخصية المميزة التي ربطته بالراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز. فائزة رفسنجاني، يقرأ في نقدها الدائم للسياسة الإيرانية في حقبة "ما بعد رفسنجاني" - إن صحت التسمية - محاولة إعادة الاعتبار لـ"إرث والدها السياسي"، الذي عملت القوى "الثورية" على التقليل من أهميته، وصولاً إلى تشويهه، والحملات الدعائية "المعادية" التي جوبه بها هاشمي رفسنجاني وعائلته. من هنا، نجد أن فائزة رفسنجاني، تعتبر مرشد الثورة آية الله خامنئي، بما يمتلك من سلطة ونفوذ، وكونه رفيق درب والدها سابقاً، تعتبره الشخص الوحيد الذي تتمنى أن تحصل بينها وبينه "مناظرة"، قائلة "أفضل لقاء خامنئي نفسه وجهاً لوجه للحديث حول السياسة الداخلية والخارجية، وخاصة سياسة البلاد الخارجية، فلربما يكون لذلك تأثير ونستطيع إجراء إصلاح ما في البلاد"، جاء ذلك في حوار تلفزيوني معها، مارس 2021. وفي ذلك تحميل من ابنة الرئيس السابق، لمرشد الثورة، عن مسؤولية هدم ما بناه والدها من جسور مع دول الخليج العربية. ما يدفع فائزة أكثر لهذا السخط على النظام الحاكم حالياً باسم "الثورة الإسلامية" الذي شارك والدها في تأسيسه، اعتقداها أن النظام "لم يعد دينياً ولا ثورياً"، أي أنه خلع عباءة "القيم الثورية والأخلاقية" التي كان يرفع شعاراتها! هذا لا يعني أن فائزة رفسنجاني تريد حكماً دينياً، فهي من النقاد الدائمين لمبدأ "ولاية الفقيه"، إلا أنها تسعى من خلال أطروحاتها للإشارة لأماكن الخلل والتناقض في أداء النظام الإيراني، والذي اعتبرته في إحدى مقابلاتها أنه بات "أسوأ من نظام الشاه"! رفيق المؤسس! آية الله علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ليس شخصية عادية. هو من أوائل الداعمين لثورة مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني. كما أنه سُجن في زمن حكم الشاه الراحل محمد رضا بهلوي. وعندما عاد الخميني من فرنسا إلى إيران، كان رفسنجاني برفقته دائماً، قائداً مؤثراً في الجماهير والنخبة معاً. الراحلون: مرتضى مطهري، محمد علي بهشتي، محمود طالقاني.. وسواهم من آيات الله، الثوريون الأوائل، جميعهم كان رفسنجاني على علاقة معهم، فضلاً عن صلاته الوطيدة بالحوزة العلمية في مدينة "قم"، وكونه ابن عائلة تجارية ميسورة الحال، كل ذلك جعله شخصاً يلعبُ أدواراً مهمة، تجلت في قدرته على إقناع آية الله الخميني بقبول قرار مجلس الأمن الدولي 598، الذي اتخذ بالإجماع في يوليو 1987، والذي على أساسه تم وقف الحرب العراقية – الإيرانية في أغسطس 1988، حينها قال الخميني أنه "تجرع كأس السم"، في إشارة منه لقبوله بالقرار على مضض، بعد أن أقنعه بذلك هاشمي رفسنجاني. ذات القوة في الإقناع، مارسها رفسنجاني عندما جعل "مجلس الخبراء" يختارون آية الله علي خامنئي، مرشداً للثورة، بعد رحيل روح الله الخميني، 1988، رغم أن اسم خامنئي لم يكن بارزاً حينها كفقيه مجتهد، إلا أن الدعم الذي لقيه من رفسنجاني ومن الراحل السيد أحمد الخميني، جعله يتسلم المنصب. وهو دعم تقول فائزة رفسنجاني إن والدها "ندم لاحقاً" عليه! وبذات الشخصية التي تضع أهدافاً نصب عينيها، وتسعى بقوة وإصرار لتحقيقها، كسر رفسنجاني العزلة الخليجية عن إيران، وبنى علاقات احترام متبادلة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية. تفجيرات الخبر 25 يونيو 1996، استهدفت شاحنة مفخخة، برجاً سكنياً في مدينة الخبر، شرق السعودية، يقطنه مجموعة من العسكريين الأميركيين، مما أدى لمقتل 19 جندياً أميركياً، وإصابة آخرين.الهجوم "الإرهابي"، الذي نفذه "حزب الله الحجاز"، المدعوم من "الحرس الثوري" الإيراني، كاد أن يحدث مواجهة أكبر في الخليج بين الرياض وطهران، وبين واشنطن وطهران. السلطات السعودية التي قامت بحملة توقيفات واسعة حينها، شملت عناصر من "القاعدة" و"حزب الله الحجاز"، كانت في ذات الوقت تعمل على خط الدبلوماسية الخارجية من أجل أمرين: الحصول على جميع المتورطين في الجريمة للتحقيق معهم ومحاكمتهم، أيضاً حصار التداعيات الإقليمية والسياسية للعملية التي جاءت بعد "تفجير العليا" في العاصمة الرياض، حيث استهدف عناصر من "القاعدة" بعثة عسكرية أميركية، نوفمبر 1995. السعودية وقتها، انتهجت سياسة صبورة ومتوازنة للغاية، ومن حُسنِ حظِ إيران، أن الرئيس حينها كان هاشمي رفسنجاني، الذي عمل هو الآخر على التواصل مع السعودية، وبذلك أنقذ إيران من أزمة كبرى! بعدها، أجرى رئيس تحرير صحيفة "الشرق الأوسط" حينها عثمان العمير، حواراً مع الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني، جاء مؤشراً على رغبة طهران في بناء علاقات جيدة مع الرياض، وتجاوز ما حدث في الماضي. علاقات متوازنة رفسنجاني الذي ربطته علاقة احترام متبادل، بولي العهد السعودي - حينها - الأمير عبد الله بن عبد العزيز، مهد لزيارة قام بها تالياً الرئيس الإيراني محمد خاتمي للسعودية، ولقائه بالملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، الذي قلده وساماً رفيعاً، وعلق خاتمي على ذلك بقوله "إن كل ما يأتي من الحبيب، حبيب". الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، قال تعليقاً على زيارة الرئيس خاتمي، 1999، إن "الأبواب مفتوحة على مصراعيها لتطوير العلاقات بين البلدين، وهو ما يتطلب منا دعمها وتعزيزها لما فيه صالح البلدين والشعبين والأمة الإسلامية". مفتاح تطوير هذه العلاقات، أشار له وزير الخارجية السعودي السابق، الأمير سعود الفيصل، عندما شدد على أهمية "بناء الثقة"، واصفاً لقاء فهد – خاتمي بـ"التاريخي". العقلانية السياسية دبلوماسي خليجي عارفٌ بالملف الإيراني، وفي حديث مع "العربية.نت"، اعتبر أن "أهم ما يميز هاشمي رفسنجاني هو عقلانية السياسية. كان رجلاً عاقلاً، ويعرف حدوده"، مضيفاً "كانت لدى رفسنجاني أطماع سياسية إقليمية، مثل الشاه محمد رضا بهلوي، إلا أنه كان يسعى لأن يكون لإيران نفوذ بالطرق السياسية والاقتصادية الطبيعية، وليس عبر الحروب وتصدير الثورة". الدبلوماسي الذي التقى رفسنجاني في زيارة له للعاصمة الإيرانية طهران، أشار إلى أن "الرئيس رفسنجاني وبعلاقاته مع الملك عبد الله بن عبد العزيز، استطاع أن يحل كثيراً من المشكلات بين الرياض وطهران، إلا أن الأمور تأزمت في عهد نجاد، وبسبب سياسات الحرس الثوري ودعمه للخلايا والميليشيات الإرهابية". هذه "النظرة السياسة المعتدلة" تكونت لدى الرئيس هاشمي رفسنجاني، نتيجة التجارب الطويلة والصعبة خلال عقود، ولأنه أدرك أن الحفاظ على المصالح الوطنية والقومية لإيران، لا يمكن أن يتم دون العمل الدبلوماسي الفعال؛ والعمل السياسي الداخلي الإصلاحي، ولذا دعم تشكيل حزب "كوادر البناء"، الذي تكون من مجموعة من التكنوقراط والمثقفين المعتدلين، من أبرزهم وقتها الوزير السابق عطاء الله مهاجراني، وعمدة طهران السابق غلام حسين كرباسجي، والرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون محمد رفسنجاني؛ إلا أن جميع هذه الأسواء، والعديد سواها من المقربين من الرئيس رفسنجاني، تم التضييق عليها، وبعضها غادر إيران. الحوار وحسن الجوار رفسنجاني، حين كان رئيساً لـ"مجلس تشخيص مصلحة النظام"، زار السعودية، فبراير 1998، وأثناء مؤتمر صحافي عقده، أكد على "رغبة بلاده في تدعيم علاقاتها مع المملكة العربية السعودية في كافة المجالات"، مشدداً على "تطابق وجهات نظر البلدين في القضايا التي أثيرت مع المسؤولين السعوديين". رفسنجاني وفي حديثه، ذهب إلى أبعد من مجرد توثيق العلاقات بين السعودية وإيران، كاشفاً عن أن "المشاكل العالقة بين إيران ومصر في طريقها للحل"، معرباً عن أمله في "تحسن العلاقات المصرية قريباً"، ومؤكداً اهتمام بلاده بـ"تحسين علاقاتها مع دول الجوار لا سيما دول الخليج العربية"، مشيرا إلى "ضرورة العمل والحوار والمشاورات لحل جميع المشاكل بين دول المنطقة بصورة ودية"، بحسب ما نقلته صحيفة "البيان" الإماراتية. تباين الفرقاء! المنهجية السياسية التي يعمل بها رفسنجاني، هي ذاتها التي تبناها تالياً الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، وسعى لاقتفاء أثرها لاحقاً الرئيس الحالي حسن روحاني، إلا أن المشكلة تكمن في وجود سياسات متباينة بين "أبناء الثورة" أنفسهم، بين خط سياسي يدعو للانفتاح على دول الجوار والحوار والتعاون معها، وخط أمني – عسكري، يتبنى المواجهة ودعم الميليشيات المسلحة! هذا التباين أدى لأن تتوتر العلاقات بين الرياض وطهران، خصوصاً إبان فترة حكم الرئيس أحمدي نجاد، حيث يروي الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني أنه "عدت من السعودية بيد مليئة، ولكن أحمدي نجاد تخلى عن كافة الاتفاقيات"، بحسب المقابلة التي نشرها موقع "جماران"، مع غلام علي رجائي، المستشار السابق لرفسنجاني. رجائي في الحوار الذي ترجمت "العربية.نت" أجزاء منه، قال "إن رفسنجاني كان واقعياً، فمن هذا المنطلق استجاب الملك عبدالله بن عبدالعزيز لدعوته، وكان يكرر دائماً أننا توصلنا إلى اتفاقيات مع الملك عبدالله، وشكلنا لجانا لكافة المشاكل في المنطقة والعالم الإسلامي، لكن أحمدي نجاد تخلى عن تلك الاتفاقيات المهمة كافة". العلاقات مع السعودية، حجر زاوية لدى رفسنجاني، وفي هذا الصدد، يُبين مستشاره غلام علي رجائي أن "تطبيع العلاقات مع السعودية مهم للغاية لنا وللمنطقة، وهذا ما كان يأمل به رفسنجاني، حيث كان يتمنى أن تعود العلاقات إلى ما كانت عليه خلال فترة حكمه كرئيس للجمهورية". الرئيس المُكبل! الرئيس الإيراني حسن روحاني، يشكل امتداداً لمدرسة هاشمي رفسنجاني السياسية، مع بعض الفروقات الأساسية. فكلاهما من جناح "المعتدلين"، الذي يتباين مع "المتشددين"، كما أنهم يتفقون في ملفاتٍ مع التيار "الإصلاحي" الذي قاد "الثورة الخضراء" العام 2009، ويختلفون معه في أخرى. إلا أن أهم جامع بين رفسنجاني وروحاني، هو رغبتهما في "تحقيق المصالح الإيرانية عبر سياسة متزنة وعقلانية، تحترم الجوار، بعيداً عن الصدام مع دول الخليج". روحاني كان قد وقع اتفاقية أمنية مع وزير الداخلية السعودي الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز، وهي الاتفاقية التي أشار لها رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشرق الأوسط" عبد الرحمن الراشد، في مقال له العام 2013، قائلاً "الرئيس الجديد يعرفه السعوديون جيداً، كانت له بصمات مهمة في العلاقة مع الرياض تحديدا. فقد وقع في منتصف التسعينيات اتفاقاً أمنياً مع وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله. روحاني، رئيس الاستخبارات حينها، وقع على اتفاق سمي "نايف – روحاني"، بموجبه تعهدت حكومة إيران بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، وسلمت بعض الملاحقين من المتهمين السعوديين في قضايا إرهابية، وأوقفت دعمها للجماعات المعادية في الخارج". الراشد سمى روحاني في المقال بـ"الصديق القديم"، وهو رغم التفاؤل الحذر في المقال، إلا أنه كان واقعياً في تحليله، قائلاً "نحن ندرك أن روحاني بنفسه لن يستطيع أن يصنع إيرانا جديدة، فالبلاد تحكمها حلقة قوية من ثنائي المرشد الأعلى والحرس الثوري". الهجوم على البعثات السعودية في إيران، العام 2016، شكل منعطفاً خطيراً في علاقة الرياض بطهران، حيث تم إغلاق المقار الدبلوماسية، وقطع العلاقات. هذا الهجوم وصفه وزير الخاريجة الإيراني محمد جواد ظريف بـ"الحماقة والخيانة التاريخية"، وفق التسريبات التي نشرتها قناة "إيران إنترناشيول". شكلت تصرفات المتشددين، تقويضاً صريحاً لجهود الرئيس حسن روحاني، وبالتالي، جعلت كل الوعود التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية بتحسين العلاقات مع المملكة، تضيع هباء. روحاني، رغم الدعم الشعبي الذي أوصله للانتخابات في دورتين متتاليتين، وخبرته السياسية، فإنه لم يكن يمتلك كل أوراق هاشمي رفسنجاني، دون أن نغفل أن "الحرس الثوري" تعاظم دوره، خصوصاً بعد العام 2011، ومشاركته في الحرب الدائرة في سوريا، وبنائه لأذرع مسلحة عدة في العراق ولبنان واليمن. كل هذه العوامل، جعلت الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، أقل قدرة على الفعل السياسي المؤثر، حتى إن شعبيتهم لدى الشارع الإصلاحي والمعتدل بدأت تتآكل. اغتنام الفرص ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، تحدث في حوار تلفزيوني، أبريل الماضي، عن أن السعودية "تريد الخير لإيران"، وهي رسالة سياسية واضحة، تشير لرغبة الرياض في تخفيف الاحتقان الإقليمي، وبناء علاقات حسنة تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. هذا الموقف السعودي، لو كان الرئيس هاشمي رفسنجاني موجوداً، لاستطاع بعلاقاته وجرأته ودهائه، أن يعمل على الاستفادة منه لصالح البلدين؛ إلا أن رفسنجاني رحل، وبقي إرثه السياسي مبعثراً، وتلامذته محاصرون، وقليل من رفاق الدرب المساندين له في مراكز القرار، فهل يستطيع هؤلاء تحقيق أمنية "شاه الثورة الخمينية" في أن يحول إيران "الثورة" إلى "الدولة"، ويجعلها نظاماً ذا نفوذ إيجابي وقوة خير وسلام ودولة على وفاق مع جيرانها العرب!