خط ساخن.. هكذا تجنب العالم حرباً نووية بين موسكو وواشنطن

خلال ستينيات القرن الماضي، كتم العالم أنفاسه بسبب إحدى أسوأ الأزمات التي عرفتها الحرب الباردة بين الأميركيين والسوفيت. فعلى مدار 13 يوما ما بين 16 و28 تشرين الأول/أكتوبر 1962، عاش الجميع على وقع أهوال

خط ساخن.. هكذا تجنب العالم حرباً نووية بين موسكو وواشنطن
خلال ستينيات القرن الماضي، كتم العالم أنفاسه بسبب إحدى أسوأ الأزمات التي عرفتها الحرب الباردة بين الأميركيين والسوفيت. فعلى مدار 13 يوما ما بين 16 و28 تشرين الأول/أكتوبر 1962، عاش الجميع على وقع أهوال أزمة الصواريخ الكوبية التي اندلعت عقب اكتشاف طائرات التجسس الأميركية لمنصات صواريخ سوفيتية قادرة على حمل رؤوس نووية بكوبا. وطيلة تلك الفترة، ارتفعت حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي بشكل غير مسبوق وهددت بإمكانية اندلاع حرب نووية، قد تفنى بسببها البشرية، بين هاتين القوتين النوويتين. ولحسن الحظ، تمكن العالم حينها من تجاوز أزمة الصواريخ الكوبية بفضل المفاوضات الدبلوماسية بين كل من الرئيس الأميركي جون كينيدي ونظيره السوفيتي نيكيتا خروتشوف (Nikita Khrushchev)، حيث تبادل البنتاغون والكرملين على مدار أيام جملة من الرسائل إما عن طريق التلغراف أو الراديو أدت في النهاية لحل الأزمة وساهمت لاحقا في توقيع معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية يوم 5 آب/أغسطس 1963. الخط الساخن واشنطن – موسكو وقد جاءت الأزمة الكوبية لتبرز للجميع حينها معضلة أخرى بالصراع الأميركي السوفيتي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يقم كلا الحليفين السابقين بأية مجهودات تذكر لتطوير نظام الاتصال بينهما. وأثناء أزمة الصواريخ، احتاجت عملية نقل رسالة واحدة من نيكيتا خروتشوف لجون كينيدي مرورا بالبنتاغون أكثر من 12 ساعة. وأمام هذا الوضع، اتفق الطرفان عقب نهاية الأزمة الكوبية على وضع أسس اتصال متقدمة، اعتمدت أساسا على خط اتصال مباشر بين واشنطن وموسكو، لحل مثل هذه الخلافات بشكل سريع مستقبلا. وانطلاقا من ذلك، برز للعالم مصطلح جديد عرف بالخط الساخن واشنطن – موسكو ولقّبه آخرون بالهاتف الأحمر. آلة مبرقة وكابلات عبرت الأطلسي وعلى الرغم من التوصل لاتفاق بين موسكو وواشنطن، استغرقت عملية تطوير وتحسين الاتصال بين المسؤولين السوفيت والأميركيين أكثر من 9 أشهر. وفي حقيقة الأمر، لم تكن وسيلة الاتصال هذه خط هاتف ولا هاتفا أحمر وإنما كانت عبارة عن آلات مبرقة كاتبة (teleprinter) وكميات هائلة من الحبر وقطع غيار ونظام فك تشفير للترجمة أرسلت نحو كلا الطرفين انطلاقا من النرويج، حيث فضّل الأميركيون والسوفيت حينها الاعتماد على طرف ثالث محايد لإنتاج هذه الآلات تخوفا من عمليات التجسس. وخلال شهر آب/أغسطس 1963، كان نظام الاتصال بين الطرفين جاهزا، وقد أرسلت الولايات المتحدة الأميركية رسالة تجريبية لموسكو احتوت على جميع حروف الأبجدية والأرقام العربية وكان نصها كما يلي "The quick brown fox jumped over the lazy dog’s back 1234567890" بينما رد السوفيت برسالة طويلة وصفوا من خلالها حالة الطقس بموسكو. وفي البداية، ربط الأميركيون خط الاتصال بالبنتاغون قبل تمديده بحلول العام 1978 نحو البيت الأبيض. وفي المقابل، أعلن السوفيت عن ربطهم لهذا الخط بالكرملين سوى أن مصادر أخرى شككت في ذلك وتحدثت عن ربطه بمكان آخر سري ومجهول بالعاصمة موسكو. إلى ذلك، تحقق حلم ما بات يعرف بالخط الساخن بفضل نظام كابلات الهاتف الطويلة التي وضعت تحت الماء لتعبر المحيط الأطلسي بأكمله مرورا بكل من نيوفندلاند وإسكتلندا والمناطق الإسكندنافية. وقد حمل نظام الكابلات هذا اسم TAT-1 وتعرض خلال مسيرته للعديد من المشاكل التقنية وهو ما أجبر الأميركيين والسوفيت على دعمه بخط ثانٍ. دور فاعل في حل الأزمات خلال العقود التالية، عرف هذا الخط الساخن تغييرات عديدة. فأواخر السبعينيات، فضّل الأميركيون والسوفيت الاعتماد على الأقمار الصناعية للتواصل. وعام 1985، تمت إضافة آلات الفاكس لهذا النظام، وبعدها بنحو 22 سنة أضيفت سنة 2007 أجهزة الكمبيوتر التي سهلت فكرة اعتماد الرسائل البريدية الإلكترونية بين الطرفين. وقد جاء أول استخدام لهذا الخط الساخن بين واشنطن وموسكو من قبل الرئيس الأميركي ليندون جونسون، حيث راسل الأخير من خلاله رئيس الوزراء السوفيتي ألكسيي كوسيغين (Alexei Kosygin) خلال حرب الستة أيام كما استخدمه من بعده رؤساء عدة أثناء فترات أزمات عالمية كحرب الهند وباكستان وحرب الخليج الأولى والغزو السوفيتي لأفغانستان.