تسريبات ظريف.. أضرار هيمنة العسكر على السياسة!

التسجيل المسربُ لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، والذي نشرته قناة "إيران إنترناشيونال"، في 25 إبريل الجاري، وترجمت "العربية.نت" أجزاء منه، هذا التسجيل يكشف عن نقاط التباين الرئيسة بين التيار

تسريبات ظريف.. أضرار هيمنة العسكر على السياسة!
التسجيل المسربُ لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، والذي نشرته قناة "إيران إنترناشيونال"، في 25 إبريل الجاري، وترجمت "العربية.نت" أجزاء منه، هذا التسجيل يكشف عن نقاط التباين الرئيسة بين التيار "المعتدل" الذي يتزعمه الرئيس الإيراني حسن روحاني، والآخر "المتشدد" الذي يمثل "الحرس الثوري" عموده الفقري، ويضم مجموعة من العسكريين والشخصيات السياسية والأمنية والدينية، وهذا التيار على تنوع توجهات أفراده ومجموعاته، إلا أنه يؤمن بأهمية "القوة العسكرية" كلاعب رئيس في السياسة الخارجية، وأنها يجب أن تكون صاحبة حضور فاعل، يفوق الدور الذي تمارسه وزارة الخارجية الإيرانية. مفاعيل التسريبات يمكن قراءة التسريبات في أكثر من اتجاه، فبقدر ما تعطي إشارة على أن التيار "المعتدل" عامة، والوزير محمد جواد ظريف شخصياً، ضاق ذرعاً بالتدخلات المتتالية من قبل "الأصوليين"، وسياساتهم الممنهجة في إضعاف وتشويه حكومة حسن روحاني، تأتي هذه التسريبات بهدف أن تقول للإيرانيين إن "الفشل" الذي تتهم به حكومة روحاني، ليست الأخيرة هي سببه، بل ذلك نتيجة العقبات الدائمة التي واجهت العمل الحكومي، وتدخل العسكر في شأن لا يفقهونه، والدليل الضرر الكبير الذي أحدثوه في العلاقات الخارجية مع دول الخليج العربية! أيضاً، البعض قد يقرأ التسريبات، كبداية معركة انتخابية، يريد التيار "المعتدل" أن يخوضها باكراً ضد خصومه، بأن يكشف شيئاً عن "توغلهم" غير المبرر في العمل السياسي الخارجي، ورغبتهم الجامحة في الاستئثار بالسلطة. من جهة أخرى، قد يرى مراقبون، أن حديث وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وتسريبه في هذا الوقت، قد يضر به، ويظهره ضعيفاً لا حول له ولا قوة، وبالتالي، سيجعل حظوظه في الترشح أقل، وإذا ترشح، لن ينتخب الإيرانيون رئيساً "مكبل اليدين"! تمجيد السلاح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ تأسيسها شهدت أحداثاً أمنية عدة، وحرباً مع العراق، وهي التي بنيت على عقيدة "ثورية"، تحضر فيها معاني "القوة" و"السلاح" و"الجهادة".. وسواها من المفاهيم الدينية المرتبطة بـ"العنف المقدس"؛ وهو الأمر الذي تكرس يوماً بعد آخر، وجعل هنالك "ثقافة استشهادية"، تمجد سوح القتال، وتعلي من شأن "المقاتلين"، وأن لهم فضلاً عظيماً. صورة عززت عبر خطاب دعوي يستند لمئات الآيات والأحاديث والوقائع التاريخية، ما صير السلاح من وسيلة للدفاع عن النفس وحفظ الأمن والوصول إلى الاستقرار، صيره "ثيمة عُليا"، تتقدم على ما سواها. حتى إن المثقفين والكتاب، يتم "احتقارهم" من قبل "المقاتلين" الذين يعتبرونهم مجرد "ثرثارين" لا يقومون بأي دور، وأنه لو تم الاعتماد عليهم لـ"ضاعت الثورة"! مركزية "السلاح"، تحضر أيضاً في الأناشيد الثورية التي ينتجها أبناء "خط الإمام"، واللوحات و"الجداريات" التي تتوزع في مدن وقرى إيرانية عدة. وهذه جميعها تربط عاطفياً عبر شريط طويل من الذكريات للإيرانيين الذين قتلوا إبان الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، أو راحوا نتيجة أعمال عنف أو تفجيرات إرهابية. "عوائل الشهداء"، و"مؤسسة الشهيد"، و"جهاد البناء"، جميعها عناوين تجعل من قيمة "الشهيد" أعلى من سواه، ولذا، يجب أن يكون كل عملٍ في السياق الذي يحافظ على "دماء الشهداء"، ولا يشكل "خيانة" لها! وفق هذه السردية، تم الحفاظ على ديمومة خطاب الثورة، وشيئاً فشيئاً تم تأجيل "الدولة"، وبنيانها، والتحول من منطق "الدين" إلى منطق "المدنية". تهميشُ ظريف هذا الأسُ الثقافي – العقدي - التاريخي، مهم لمعرفة السرُ وراء معاناة دبلوماسي مثل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. وهي ليست المرة الأولى التي يبدي فيها ظريف عدم رضاه من الوضع القائم في بلاده. ففي فبراير 2019، قدم ظريف استقالته عبر حسابه على منصة "إنستغرام"، بعد أن وجد نفسه خارج ترتيبات زيارة الرئيس السوري بشار الأسد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث التقى مرشد الثورة آية الله علي خامنئي، وكان ملف الزيارة بيد القائد السابق لفيلق "القدس" قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في يناير 2020. زيارة الأسد حينها إلى طهران، لم يكن ظريف على علم بها. وهو الأمر المخالف لبروتوكولات الزيارة الدبلوماسية الرسمية. وشكل تجاوزاً للأعراف المعمول بها، وإظهاراً لمدى قوة ونفوذ سليماني، الذي كان بمثابة وزير خارجية الظل، واليد اليمنى للمرشد خامنئي، الذي يثق به ويعتمد عليه، أكثر من أي شخص آخر في حكومة حسن روحاني. عسكرة النظام التسريبات الأخيرة للوزير محمد جواد ظريف، تشير إلى التوجه المتصاعد نحو "عسكرة الدولة" في إيران. وهذه العسكرة إذا استمرت ستقود إلى سيطرة "الأصوليين"، الذين يحضرون أنفسهم للانتخابات الرئاسية المقبلة، ولديهم أكثر من شخصية بارزة مرشحة، في مقدمهم السيد إبراهيم رئيسي، الذي تشير بعض الاستطلاعات إلى إمكانية تقدمه على عدد من المنافسين. هنالك مؤسسة "المرشد"، وأيضاً "مجلس صيانة الدستور"، و"مجلس الشورى"، وجميعها تتقاسم وجهات النظر، المتقاربة جداً، إن لم تكن متطابقة؛ خصوصاً في تبنيها لسياسات آية الله خامنئي، وليس ببعيدة عنهم "السلطة القضائية" وأيضا "مجلس الخبراء". أي أن غالبية مؤسسات الدولة المهمة، هي ذات توجه "محافظ متشدد". ما يعني، أن فوز "الأصوليين" بالانتخابات الرئاسية المقبلة، سيقود نحو تناغم في المواقف بين رئاسة الجمهورية وباقي الأجهزة المشار إليها. ما يعني أن "الإصلاحيين" سيصبحون أكثر ضعفاً، وأقل فاعلية، رغم أن المزاج الشعبي في قطاع واسع جداً منه مؤيد لسياسات الانفتاح وخفض التوتر التي يتبناها الرئيس حسن روحاني. إذا أضفنا إلى هذه الأجهزة الموالية للمرشد، "الحرس الثوري"، فمعناه أن رئيساً متشدداً قادماً، سيمنح "الحرس" مزيداً من القوة والصلاحيات، وبالتالي نفوذاً خارجياً أكبر. المشكلة الكبيرة التي أشار إليها الوزير محمد جواد ظريف، أن "العسكر" يجعلون من الدبلوماسية أداة في خدمة "سوح القتال"، في حين أن المفترض أن "جبهات القتال" ذات مهمة محدودة، مؤقتة، مرسومة خطوطها مسبقاً، تصب في صالح الدبلوماسية، والوصول إلى حلول سلمية سياسية، وليس العكس. توجهات مختلفة تسريبات ظريف، ربما تفيد المراقبين لفهم أكثر واقعية وصدقية لتوزيع القوى السياسية والأمنية في إيران، والتي هي ليست واحدة بأقنعة مختلفة، كما يعتقد البعض. ما تحدث به ظريف، يضع حدوداً واضحة بين تيارات متباينة، متصارعة، وجهات نظرها لا تلتقي في عدد من القضايا المهمة، وتحديد خطوط التماس هذه، تفيد نحو قراءة فاحصة لخارطة اللاعبين الرئيسيين في الداخل الإيراني، وتأثير سياساتهم على الإقليم، وبالتالي إمكانية وضع سياسات فعالة في التعامل مع ما يقوم به القادة الإيرانيون من أدوار وما يجترحونه من مشاريع. ما بعد المرشد! حالياً، مرشد الثورة آية الله خامنئي، ما يزال يمسك بكثير من خيوط اللعبة السياسية، وكلمته مسموعة لدى "الحرس الثوري". ويشير أحد الخبراء في الملف الإيراني إلى أن "المرشد خامنئي بيروقراطي بارع، عرف كيف يمسك بمفاصل الدولة، ويبعد لاعبين أساسيين كانوا على علاقة وثيقة بمؤسسة الثورة آية الله الخميني، مثل رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، والشيخ مهدي كروبي. كما أن خامنئي هو من يدير العسكر، لا العكس، وما زال يتابع مجريات السياسة الإيرانية، ويسعى لأن يقدم ذاته كملجأ يهرع له الجميع لحل مشكلاتهم". إلا أن المأزق سيكون في حال رحيل خامنئي، وقدوم مرشد لا يمتلك علاقاته وقوته ونفوذه، وبالتالي، تحول المنصب إلى مجرد "واجهة" لقوى تحكمه في الظل، وهذه القوى سيكون "العسكر" وتحديداً "الحرس الثوري" رأس حربتها، ساعتها لن يكون الوزير محمد جواد ظريف "صفر" اليدين وحسب، بل ستنتكس كل جهود التحول من الثورة إلى الدولة، وستتعمق مشكلات إيران الداخلية والخارجية، لأن الأدلجة الممزوجة بـ"الغطرسة" هي من ستحكم حينها، لا السياسة!